أبي منصور الماتريدي

301

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الفصل الأول انتماء الماتريدي التفسيري ظهر لنا فيما سبق أن هناك مدارس كثيرة في تفسير القرآن الكريم ، فهناك : مدرسة التفسير بالمأثور ، ومدرسة التفسير بالرأي ، ويقف بين هاتين المدرستين بعض المفسرين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، فيتخذون من النقل والعقل طريقا للتفسير . والنقل - كما سبقت الإشارة - : هو تفسير القرآن بالقرآن أو السنة أو المأثور عن الصحابة والتابعين ، وأما العقل - كما سبق أيضا - : فيعمل المفسر عقله في الآيات ، لكن هذا الإعمال مشروط بشروط تتلخص في : عدم عدول المفسر عن حقيقة اللفظ إلى مجازه إلا إذا قامت القرائن الواضحة القاطعة التي تمنع من حقيقة اللفظ وتحمل على مجازه ، ومخالفة هذه القاعدة الأساسية اليسيرة قد أدى - عند بعض المفسرين - إلى كثير من الخطأ في تفسير بعض الآيات القرآنية المتعرضة للأنفس والآفاق « 1 » . ومن أهم الأسس التي يقوم عليها استخلاص المفسر لمضمونات اللفظ القرآني بطريق العقل ، وتكسب عمله سنده ومشروعيته ، هي مراعاة اللفظ القرآني في خطابه حال العرب ومشاهداتهم ومعارفهم ، ونزوله في التعبير على مستوى ما يعرفون ؛ ضمانا لهدايتهم ، ثم احتواؤه مع ذلك الحقيقة الأبدية التي يتجدد بها إيمان الناس كلما تكشفت لهم عصرا بعد عصر « 2 » ، وهو أمر لا يعرف ولا يوجد في غير القرآن الكريم يمنحه الجدة الدائمة والثراء الذي لا ينفد ، ويعطي المتأملين فيه ، والباحثين في أسراره مشروعية مستمرة ، وضمانا وسندا دائمين ، وتأتي أساليب القرآن الكريم فوق ذلك مستجمعة درجات الفهم ، وفيها الغاية - كل الغاية - لكل عقل صحيح ، يقرؤها العالم فيستشف من خلالها علل الأشياء ، ويقرؤها الحكيم فيلتمس منها أسرار الوجود ، ويقرؤها غيرهما من الناس فتنقاد لها قلوبهم وعقولهم ، وترى الآي القرآني في علوه يداور المعاني ، ويخاطب الأرواح ، ويتألف الناس بهذه الخصوصية فيه حتى ينتهي بهم مما يفهمون إلى ما ينبغي أن يفهموا ، وحتى يقف بهم على نص اليقين ومقطع الحق « 3 » . والماتريدي من هؤلاء العلماء الذين اشتهر عنهم أنه تابع لمدرسة أبي حنيفة ، ومدرسة

--> ( 1 ) ينظر بحوث في تفسير القرآن الكريم للدكتور محمد إبراهيم شريف ( ص 104 ، 105 ) . ( 2 ) الأستاد محمد رشيد رضا : تفسير القرآن الحكيم ( طبع المنار ، 1346 ه ) ( 1 / 402 ) . ( 3 ) الرافعي : إعجاز القرآن والبلاغة النبوية ( طبع الاستقامة ، القاهرة 1952 م ) ص ( 206 ، 207 ) .